الشيخ محمد الصادقي الطهراني

37

التفسير الموضوعي للقرآن الكريم

و « ما تحبون » يعم النفس والنفيس من النواميس الخمس : نفساً وعقلًا وديناً ومالًا وعِرضاً أن ينفق كلٌّ في سبيل اللَّه ، إما عن بكرته كالتضحية بالنفس والمال ، أم مع الحفاظ على أصله كالقوات النفسية والفوائد المالية التي تنفق في سبيل اللَّه ، وكذلك الإرشادات العقلية والعلمية ، وتعريض العِرض - فيما يجوز - للحفاظ على عِرض أعرض كعِرض الدين والديِّنين ، وكل ذلك تشمله « حتى تنفقوا مما تحبون » . ذلك وكما « مما تحبون » الشرعة التي تعودتموهاأن تنفقوها في سبيل اللَّه ومرضاته وتبدلوها بشرعة محكَّمة بعدها . ولأن للمحبوب درجات كذلك لنيل الخير في إنفاق الدرجات درجات ، كما والإنفاق في كمه وكيفه ومورده درجات . ولقد أشار الرسول صلى الله عليه وآله الذي ينفق مما يحب أن يجعله في قرابته الفقراء ، فإنه أحب من غيرهم « 1 » وهذا « مما تحبون » مورداً . ومن الانفاق الأحسن كيفية ما كان دون سؤال ولا سيما بالنسبة للوالدين ، ف « الاحسان أن تحسن صحبتها وأن لا تكلفمها أن يسألاك شيئاً مما يحتاجان إليه وإن كانا مستغنيين . . . » . « 2 » ومما تنفقون مادةً طيبات المكاسب فان « تحبون » هو الحب على ضوء الإيمان : « يا أيها الذين آمنوا أنفقوا من طيبات ما كسبتم ومما أخرجنا لكم من الأرض ولا تيمموا الخبيث

--> ( 1 ) . الدر المنثور 2 : 50 أخرج جماعة عن أنس قال كان أبو طلحة أكثر أنصارىٍّ بالمدينة نخلًا وكان أحب أمواله إليه بيرحاء وكانت مستقبلة المسجد وكان النبي صلى الله عليه وآله يدخلها ويشرب من ماءٍ فيها طيب فلما نزلت « لن تنالوا . . » قال أبو طلحة يا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله إن اللَّه يقول : لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون وان أحب أموالي إلي بيرحاء وانها صدقة للَّه‌أرجو برها وذخرها عند اللَّه فضعها يا رسول اللَّه حيث أراك فقال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله بخ ذاك مال رابح ذلك ما رابح وقد سمعت ما قلت وإني أرى أن تجعلها في الأقربين فقال أبو طلحة أفعل يا رسول اللَّه صلى الله عليه وآله فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه ، وفيه نقل آخر قال صلى الله عليه وآله : إجعله في فقراء أهلك . وفيه أخرج جماعة عن محمد بن المنكدر قال لما نزلت هذه الآية « لن تنالوا . . » جاء زيد بن حارثة بفرس لا يقال لها شبلة لم يكن له مال أحب إليه منها فقال : هي صدقة فقبلها رسول اللَّه صلى الله عليه وآله وحمل عليه ابنه أسامة فرأى رسول اللَّه صلى الله عليه وآله ذلك في وجه زيد فقال إن اللَّه قد قبلها منك ، وفي نقل آخر فكان زيد أوجد في نفسه فلما رأى ذلك منه النبي صلى الله عليه وآله قال : أما إن اللَّه قد قبلها ( 2 ) . نور الثقلين 1 : 363 في أصول الكافي بسند متصل عن أبي ولاد الحناط قال : سألت أبا عبداللَّه عليه السلام عن قول اللَّه عز وجل « وبالوالدين إحساناً » ما هذا الإحسان ؟ قال : الإحسان . . . أليس اللَّه عز وجل يقول : « لن تنالوا . . . »